ولاية قابس التونسية واحة البحر والكيماوي ومستقبل التنمية المستدامة 2025

ولاية قابس التونسية “واحة البحر والكيماوي” ومستقبل التنمية المستدامة 2025

#إيست توداي                                                                                                                             مصدر الصورة: موقع radiofrance

ولاية قابس التونسية “واحة البحر والكيماوي” ومستقبل التنمية المستدامة 2025

ولاية قابس.. مفارقة الواحة الصناعية على خليج سيرتا

 

تُعد ولاية قابس، الواقعة في الجنوب الشرقي للجمهورية التونسية، حالة دراسية فريدة في التعارض بين الموارد الطبيعية الهائلة والتحديات البيئية والصناعية الكبرى. تقع المدينة على الخليج الذي يحمل اسمها، وتفصلها عن العاصمة تونس مسافة تقدر بحوالي 405 كيلومترات. لطالما شكل موقع قابس الجغرافي محور أهميتها التاريخية والاستراتيجية، حيث أرجع العديد من الباحثين دورها الحاسم إلى كونها تقع على الطريق التجارية المحورية التي تربط المشرق والمغرب، وكانت تاريخياً “الباب الذي دخل منه الفاتحون العرب لإفريقيا”.

 

هذه الأهمية الاستراتيجية كانت قائمة على عناصر القوة اللوجستية، بفضل إطلالتها على خليج سيرتا الصغير، الذي سمّاه المؤرخ اليوناني هيرودوتس بـ “بحيرة تريتونس”. ولكن الميزة الجغرافية الأندر عالمياً هي وجود “الواحة البحرية”، حيث تحيط الواحة بالمدينة في أغلب جهاتها وتطل مباشرة على البحر، مما يخلق بيئة طبيعية خصبة فريدة من نوعها. 

 

لقد أدت هذه الميزة اللوجستية والجغرافية النادرة إلى تشكيل مسار تنموي أحادي في قابس. فبدلاً من استغلال موقعها الاستراتيجي في تنويع الاقتصاد ليشمل التجارة والخدمات والسياحة البيئية، تم توجيه البنية التحتية والموارد بالكامل نحو دعم الصناعات الثقيلة، ممثلة في المجمع الكيميائي التونسي (GCT). هذا التركيز الأحادي حوّل الميزة الاستراتيجية إلى نقطة ضعف هيكلية، حيث أصبحت الولاية، رغم كونها “بوابة” اقتصادية، تعاني من تراجع مستمر في مؤشرات التنمية الجهوية.

إن فشل الدولة في حماية الواحة البحرية، التي تمثل أصلاً بيئياً فريداً ، هو في جوهره فشل في حماية فرصة استثمارية مستدامة كان من شأنها تحقيق عائدات اقتصادية أعلى بكثير وأكثر استدامة من عوائد الصناعة الملوثة. إن التقرير يسعى لتقديم تحليل عميق لهذا التناقض: كيف تحولت واحة قابس إلى مرآة لصراع التنمية غير الشامل ضد التدهور البيئي.

بماذا تشتهر ولاية قابس؟  الهوية الثقافية والسياحية

 

تتميز ولاية قابس بتركيبة ثقافية وتاريخية وطبيعية تجعلها وجهة سياحية متكاملة، بعيدة عن مركزيتها الصناعية. إنها مزيج رائع من التاريخ والجمال الطبيعي، مما يجعلها وجهة لا تُنسى.

 

الواحة والشواطئ, المنتوج السياحي الفريد

توفر قابس منتوجاً سياحياً متنوعاً يعتمد أساساً على مقوماتها الساحلية والواحاتية. تمتد شواطئها الرملية الخالية من الصخور على طول حوالي 40 كيلومتراً، وتستقطب سنوياً ما يقارب 40 ألف مصطاف من سكان المدينة، أبنائها المهاجرين، ومن الولايات المجاورة، بالإضافة إلى الأشقاء من المغرب العربي. إن الإطلالة المباشرة لهذه الشواطئ على الواحات الكثيفة والخلابة، والتي يمكن اعتبارها ظاهرة فريدة من نوعها في العالم، هي ما يعطي قابس هويتها البيئية الخاصة.

 

المخزون الثقافي والتاريخي

تعتبر المنطقة غنية بالمخزون الثقافي والحضاري، الذي يشمل فترات تاريخية متباينة. تنتشر الآثار البربرية في مناطق مثل مطماطة، وتوجان، وتمزرط، والزراوة، وبني زلطن. وإلى جانب هذا التراث، تزخر قابس بالمعالم الإسلامية التاريخية، لعل أبرزها ضريح الصحابي الجليل أبي لبابة الأنصاري. وتجعل جمالية المناظر الطبيعية التي تتخللها الوديان والجبال الطريق المؤدي إليها تجربة ممتعة في حد ذاتها.

 

الأداء السياحي وانعكاس مرونة السوق

على الرغم من التحديات البيئية والصحية المعروفة إقليمياً، حقق القطاع السياحي في ولاية قابس انتعاشاً ملحوظاً خلال العام الجاري. تشير البيانات إلى أن عدد الليالي المقضاة بالوحدات السياحية زاد بنسبة 13% في الفترة الممتدة من بداية العام حتى يوم 20 مايو، مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي. تطور هذا العدد من 22 ألف ليلة إلى 26 ألف ليلة.

 

إن تحقيق نمو سياحي بهذه النسبة في ظل أزمة بيئية وصحية معروفة إقليمياً ودولياً، يبرهن على أن قابس لديها قوة جذب ذاتية عالية. تعتمد هذه الجاذبية على ندرة مقوماتها السياحية (سياحة ثقافية وبيئية فريدة)، مما يعكس مرونة سوقية عالية. هذه المرونة تعزز التحليل الذي يؤكد أن حماية الأصول البيئية هي أسرع وأضمن طريق لتنويع الاقتصاد. ومع ذلك، وبما أن مقومات قابس السياحية ترتكز بشكل أساسي على الواحة والشاطئ ، فإن استدامة هذا النمو تظل رهينة بالحل الجذري للأزمة البيئية، وإلا سيتحول الاستثمار السياحي إلى استثمار عالي المخاطر بسبب تصاعد أزمة الفوسفوجيبس.

اقتصاد قابس تحديات الهيمنة الصناعية ومؤشرات التنمية

 

يعتمد الاقتصاد في ولاية قابس بشكل كبير على الصناعة التحويلية، وخاصة مجمع الفوسفات والكيماويات (GCT). هذا الاعتماد يخلق تبعية اقتصادية كبيرة ويسهم في مفارقة اقتصادية معقدة: الولاية تولد قيمة اقتصادية كبيرة، لكنها تفشل في تحقيق تنمية بشرية واجتماعية مستدامة.

 

تدهور مؤشر التنمية الجهوية (RDI 2024)

في تقرير “مؤشر التنمية الجهوية 2024″، الذي يعده المعهد التونسي للتنافسية والدراسات الكمية، لوحظ تراجع المؤشر التنموي لولاية قابس.6 يأتي هذا التراجع على الرغم من كون قابس ولاية ساحلية، وهي فئة من الولايات كانت تتصدر التصنيف التنموي في تونس.7 ويعود هذا التدهور بشكل خاص إلى تراجع “المؤشرات السوسيو-ديمغرافية” وتزايد “الضغوطات المتعلقة بسوق الشغل”.6

 

يؤكد هذا التراجع ظاهرة “النمو غير الشامل”؛ فقابس تولد قيمة اقتصادية من الصناعة، لكن هذه القيمة لا تنعكس إيجاباً على جودة حياة المواطنين. وبدلاً من خلق وظائف كافية لامتصاص البطالة، فإن النموذج الصناعي الحالي يقلل من جودة الحياة والصحة، مما يؤثر على المؤشرات الاجتماعية.

 

الأزمة الاجتماعية وسوق الشغل قراءة في أرقام البطالة

تظهر الإحصائيات الصادرة عن المعهد الوطني للإحصاء اتجاهاً تصاعدياً في معدلات البطالة بقابس. فقد ارتفعت النسبة الإجمالية من 15.3% في الثلث الثاني من عام 2022، لتصل إلى 16.2% في الثلث الأول من عام 2024.

 

كما يتجلى بوضوح التفاوت الجندري في سوق الشغل. ففي الثلث الأول من 2024، بلغت نسبة البطالة بين الإناث 22.0%، وهي نسبة أعلى بكثير من تلك المسجلة بين الذكور (13.6%). هذا الضغط على سوق الشغل، خاصة بالنسبة لحاملي الشهائد العليا، يفاقم من التدهور في المؤشرات الاجتماعية المذكورة في تقرير التنمية الجهوية.

 

مقارنة تطور نسب البطالة في ولاية قابس (2022-2024)

 

الفترة الزمنيةالنسبة الإجمالية (%)الذكور (%)الإناث (%)
الثلث الثاني 202215.313.120.5
الثلث الأول 202316.113.921.2
الثلث الأول 202416.213.622.0

 

التراجع في الخدمات الصحية

يشكل الضغط على القطاع الصحي عاملاً حاسماً في تراجع مؤشر التنمية. سجل المؤشر المتعلق بالنفاذ إلى الخدمات الصحية تدهوراً نتيجة الانخفاض المستمر في عدد الأطباء، حيث انخفض المعدل من 10 أطباء (مقابل مقياس محدد) في عام 2021 إلى 9 في عام 2024.

 

إن تدهور المؤشرات الاجتماعية والديموغرافية والضغط على الخدمات الصحية لا يمكن النظر إليه بمعزل عن التلوث الصناعي. التلوث المفرط يزيد من معدلات الأمراض وحالات الاختناق المسجلة، مما يؤثر سلباً على متوسط العمر المتوقع ونوعية الحياة. هذا الارتباط يضمن أن ولاية قابس ستستمر في التراجع في أي تصنيف للتنمية البشرية أو الجهوية طالما استمرت الأزمة البيئية.

الأزمة البيئية في قابس ماذا يحدث في “خليج الموت”؟

 

تُمثل الأزمة البيئية المرتبطة بأنشطة المجمع الكيميائي التونسي (GCT) جوهر التحدي الذي تواجهه قابس. إنها أزمة ذات أبعاد اقتصادية وسياسية وإنسانية عميقة، وقد وصلت إلى مرحلة توصف فيها المطالبات الحكومية بأنها تهديد بالغلق بسبب التجاوزات البيئية المستمرة.

 

كارثة الفوسفوجيبس التدمير البيولوجي الموثق

الوضع البيئي في قابس يوصف بأنه “كارثي”. ينبع الخطر الأكبر من مادة الفوسفوجيبس، وهي بقايا الفوسفات التي يتم إلقاؤها في خليج قابس. تكمن خطورة هذه العملية في الكميات الهائلة التي يتم التخلص منها، حيث يتم إلقاء ما يقارب 18,000 طن يومياً في الخليج في أوقات الذروة.

 

تؤدي هذه الممارسة إلى تبليط قاع الخليج بمادة الفوسفوجيبس، مما يقضي على البيئة البحرية. وكانت النتائج البيولوجية لهذا التدمير الكمي صادمة: فقد تسبب التلوث في انخفاض حاد في التنوع السمكي، حيث انخفض عدد أنواع الأسماك من حوالي 250 نوعاً إلى 77 نوعاً فقط. هذا يمثل خسارة بيولوجية دائمة ويقضي على الثروة الاقتصادية البديلة المتمثلة في الصيد البحري.

 

الأكثر من ذلك، تتطلب عملية تذويب الفوسفوجيبس بالماء قبل إلقائه في البحر استنزاف الموارد المائية من بئرين عميقين بالمنطقة، مما يشكل تهديداً خطيراً للأمن المائي واستدامة الواحات.

 

التلوث الهوائي وتفشي الأمراض

بالتوازي مع الكارثة البحرية، فإن ارتفاع نسق الإنتاج في الوحدات الصناعية للمجمع الكيميائي يؤدي يومياً إلى إلقاء أطنان من الغازات في هواء قابس. هذا التلوث الهوائي أثر بشكل مباشر على صحة الإنسان وتسبب في تفشي العديد من الأمراض الخطيرة، إلى جانب تكرر حالات الاختناق التي “لا يمكن حصر عددها” وفقاً لناشطين بيئيين. كما أن التلوث يؤثر سلبياً على الفلاحة في المنطقة.

 

التعطيل المزمن للحلول التقنية

يشير التحليل التقني إلى وجود خلل عميق في معادلة الاقتصاد السياسي، حيث أن الأزمة تفاقمت بسبب التعطيل الحكومي المزمن لمشاريع مكافحة التلوث. فقد انتقد الناشطون البيئيون التعطل الحاصل منذ سنوات في مشاريع GCT للحد من التلوث الهوائي. ومن الأمثلة المحددة للفشل الإداري: مشروع تحسين غسل غازات الأمونيا (الذي انطلق تنفيذه في أواخر 2014)، ومشروع الحد من انبعاث غاز أكسيد الأزوت (الذي تم إمضاء عقد إنجازه في نوفمبر 2015). لم يتم تشغيل أي من هذين المشروعين إلى اليوم، رغم تركيز تجهيزاتهما.

 

يشير تأخر تنفيذ هذه الحلول التقنية منذ عقد من الزمن إلى أن هناك قراراً ضمنياً على المستوى المركزي بتحمل التكاليف الصحية والإنسانية والبيئية مقابل ضمان استمرار الإنتاج الصناعي. هذا الفشل في التنفيذ هو ما دفع بالمجتمع المدني والسكان إلى المطالبة الجذرية بنقل المجمع الكيميائي بعيداً عن منطقة قابس الكبرى المكتظة بالسكان، كونه الخيار الوحيد لإنهاء المعاناة المتواصلة.

 

بيانات الأثر البيئي لمجمع قابس الكيميائي (الفوسفوجيبس)

 

العنصر البيئي/الاقتصاديالبيان/الكميةالتأثير على المنطقة
كمية الفوسفوجيبس اليومية (الذروة)18,000 طنتدمير شامل لبيئة خليج قابس البحرية
انخفاض التنوع السمكيمن حوالي 250 نوعاً إلى 77 نوعاً

خسارة اقتصادية وبيولوجية دائمة (فقدان 69% من الأنواع)

استنزاف الموارد المائيةبئران عميقان

تهديد للأمن المائي واستدامة الواحات

حالة مشاريع مكافحة التلوث الهوائيمتوقفة منذ 2014-2015

تدهور نوعية الهواء وتزايد حالات الاختناق والأمراض

 

مستقبل قابس التنموي خطط الدولة بين الأمل والتعطيل

 

لمواجهة التحديات المتراكمة، أقرت الحكومة التونسية في ديسمبر 2020، جملة من الإصلاحات التنموية الشاملة بلغت 32 قراراً، بهدف دفع التشغيل والتنمية في قطاعات الصحة والبيئة والصناعة والنقل. إلا أن متابعة تنفيذ هذه القرارات حتى عام 2024 تكشف عن “فجوة تنفيذ” واسعة بين القرار النظري والواقع الميداني، خاصة في المشاريع الاستراتيجية.

 

تعثر المشاريع الصحية والصناعية الاستراتيجية

كانت خطط التنمية ترتكز على مشروعين حيويين:

 

المدينة الصناعية الصديقة للبيئة:

كان الهدف هو التحول نحو نموذج صناعي مستدام. تقرر تكليف فريق حكومي للحسم في اختيار الموقع النهائي لإنجاز المدينة الصناعية الجديدة والصديقة للبيئة قبل موفى السداسي الأول من سنة 2021. لكن الواقع يشير إلى جمود في هذا المسار، حيث تم تأجيل قضية غلق المجمع الصناعي القديم المثير للتلوث مراراً ، ولا تزال خطة التحول الصناعي متعثرة. كما أن أشغال تهيئة المنطقة الصناعية قابس 3 (المقررة في الربع الأخير 2021) ودراسات المنطقة الصناعية مطماطة الجديدة (المقررة 2021) لم تحقق تقدماً ملموساً يذكر في سياق التحول البيئي المنشود.

 

المستشفى الجامعي بقابس:

كان من المقرر فض إشكال تمويل إنجاز المستشفى الجامعي واستكمال الملف المرجعي والدراسات التمهيدية قبل نهاية السداسي الأول من عام 2021. لكن عوضاً عن الشروع في بناء المستشفى الجامعي الجديد، تركزت الأشغال الحالية على مشروع تقوية أسس وإصلاح هياكل المستشفى الجامعي القائم. هذه الأشغال، التي تناهز كلفتها 4.7 مليون دينار، استؤنفت في يناير 2025 بعد تعطل دام حوالي ست سنوات (منذ 2019). ويُذكر أن المستشفى الجامعي يعمل حالياً بنصف طاقته الاستيعابية، حيث تم غلق جزء كبير من طوابقه الستة لغرض الإصلاح. هذا الجمود في تمويل المشروع الجديد يعكس إما نقصاً في الموارد المالية أو مقاومة إدارية لتغيير الواقع، مما يطيل عمر الأزمة الصحية.

 

اللوجستيك والنقل فرصة التنويع الاقتصادي

يمثل قطاع اللوجستيك أحد الفرص الحقيقية لتنويع اقتصاد قابس والاستفادة من موقعها الجغرافي. في هذا المجال، تم إقرار دخول الخط البحري المنتظم لنقل الحاويات حيز الاستغلال، مع إقرار تخفيضات مشجعة على المعاليم المينائية بنسبة 50% خلال الستة أشهر الأولى و30% بعد ذلك. كما شملت القرارات إحداث المنطقة اللوجستية ببوشمة-المطوية، والتي كان من المقرر انطلاق أشغال المرحلة الأولى منها قبل موفى سنة 2021.

 

إن نجاح المشاريع اللوجستية، التي تستغل الميزة الجغرافية دون إحداث تلوث كبير، يمكن أن يعوض جزئياً التراجع المسجل في مؤشر التنمية الجهوية  من خلال خلق فرص عمل غير صناعية مستدامة.

 

مشاريع إنقاذ الواحات والفلاحة البحرية

أُقرّت حزمة من البرامج لدعم المكون البيئي التقليدي في الولاية، وتحديداً الواحات والفلاحة البحرية. خُصصت مبالغ لإعادة تهيئة وصيانة الواحات، تشمل تهيئة 40 كيلومتراً من المسالك الفلاحية وصيانة شبكات صرف المياه على طول 1000 كيلومتر، بالإضافة إلى إعادة تهيئة محطات الضخ. والأهم من ذلك، تم إعداد برنامج وطني لإنقاذ منظومة “القفّالة” (المحار) في إطار التعاون الفني مع الجانب الإيطالي، لحماية التنوع البيولوجي الذي دمره الفوسفوجيبس. هذه المشاريع، إذا تم تنفيذها بالكامل، ستحافظ على هويتها الزراعية الفريدة التي تتهدد بالاستنزاف المائي والبيئي.

توصيات استراتيجية نحو نموذج قابس 2030

 

تُظهر ولاية قابس مفارقة تنموية معقدة؛ فهي تمتلك جميع المقومات لتكون قطباً لوجستياً وسياحياً إيكولوجياً رائداً، بفضل ميزتها الجغرافية الفريدة (“الواحة البحرية”) وتراثها الثقافي الغني. لكنها أسيرة لنموذج اقتصادي صناعي غير شامل، يعتمد على الصناعات الثقيلة التي تنتج قيمة اقتصادية على حساب تدمير منهجي للأصول البيئية والبشرية.

 

إن تراجع مؤشر التنمية الجهوية وارتفاع معدلات البطالة، بالإضافة إلى تدهور الخدمات الصحية ، هي نتائج مباشرة للفشل في حل الأزمة البيئية. فالتدمير الكمي لخليج قابس (إلقاء 18,000 طن/يوم من الفوسفوجيبس)  ليس مجرد قضية بيئية، بل هو إبادة ممنهجة للثروات الطبيعية البديلة.

 

إن الخيار الاستراتيجي أمام الدولة التونسية ليس بين الاقتصاد والبيئة، بل بين “اقتصاد الموت البطيء” القائم حالياً، وبين التنمية المستدامة.

 

التوصيات العاجلة تجاوز فجوة التنفيذ

بناءً على التحليل المعمق للواقع الاقتصادي والتنموي في قابس، يوصى بالآتي:

  1. حسم الأزمة البيئية والتلوث الصناعي: يجب اتخاذ قرار سيادي غير قابل للتأجيل بشأن المجمع الكيميائي. يتضمن ذلك إما التطبيق الفوري والكامل لمشاريع الحد من التلوث المتوقفة منذ 2014 و 2015 ، أو الشروع الجدي في خطة نقل المجمع بعيداً عن المنطقة السكنية، كما يطالب النشطاء.

  2. دعم البنية التحتية الصحية: لا يكفي إصلاح الهياكل المتضررة للمستشفى الحالي. يجب فض إشكال تمويل المستشفى الجامعي الجديد فوراً ، بالتوازي مع دعم الجهة بالكوادر الطبية اللازمة لسد النقص الموثق، لوقف تدهور مؤشرات النفاذ للخدمات الصحية.

  3. تفعيل القطب اللوجستي: يتطلب الأمر متابعة دقيقة وميزانيات فورية لتنفيذ المنطقة اللوجستية ببوشمة-المطوية  وتفعيل التخفيضات الممنوحة على المعاليم المينائية لضمان الاستفادة الكاملة من الميزة اللوجستية لقابس ، مما يوفر بديلاً حقيقياً لفرص العمل غير الصناعية.

  4. الاستثمار في الواحة البحرية: يجب استخدام الانتعاش السياحي الأخير  كدليل على جدوى التحول نحو السياحة البيئية، وتكثيف برامج صيانة الواحات وإنقاذ الحياة البحرية المهددة (كالقفالة) لضمان استدامة الأصول الطبيعية التي تشتهر بها الولاية.

https://youtu.be/G9k793d4bIA

#إيست توداي                                                                                                                             مصدر الصورة: موقع YOUTUBE

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *